حسن بن حمزة الشيرازي ( شرف البلاسي )
34
رسالتان في الحكمة المتعالية والفكر الروحي
لقد لاذ بمغارة في جبل قاسيون وانقطع عن الأنس ، وعزل نفسه عن كلّ ما حوله من العالم ، ولا طعام عنده ولا شراب ، ولا ذكرى في نفسه ولا خاطر في قلبه ، جمع ذاته كلّها واتّجه به إلى اللّه ذاكرا مسبّحا مقدسا ، طالبا من الحضرة الآلهية أن تمنّ عليه بالقبول وأن تشمله بالمنائح وتفيض عليه بالألطاف ، وتطوّرت به الحال حتى غاب عن نفسه واستغرقه جمال ذات مولاه العليّ الأعلى ، فهتف به هاتف ، أو لنقل أنّ قائلا وقف وألقى إليه : « يا مسكين هو القريب منك وأنت البعيد عنك ، هو القريب منك بالعينيّة وأنت البعيد عنه بوهميّة الغيريّة . إنّما تطوّر فيك لتكمل به ، ويكمل فيك لا لتحتجب بوهميّة التعدّد لديك عن إدراك حقيقة التوحيد فيك . هو عند كلّ شيء بجوهر ذاته لا بكليّته . . . » . والالقاء طويل ، ونذكر منه أيضا : « ما دمت تطلب الوصول إليه ، فأنت محجوب عنه بتوهّم الانفصال منه . بقاؤك بك عين فناءك . حجبت بصورته عن إدراك حقيقته . لولا وقوفك عند حدودك لما تخلّفت عن شهودك . تحقّق جوهرك ، وأنعم فيه نظرك ، ودع أولك وآخرك ، فبأولك الوهمي تقصّر عن شهودك ، وبوقوفك مع آخرك تقع في حصر وجودك . . . » . فبين هذا الالهام الذي تلّقاه الشيرازي العارف المكاشف ، وبين ما تلقّى ابن عربي أو تلامذته فروق واضحة في الأسلوب والمنحى والحرارة الداخلية ، لكنّ تشابها في المعاني وتماثلا في المقاصد واتفاقا في الروح ، هذه أمور لا يمكن أن